سياسة

مسؤولان أمريكيان سابقان: حفتر سيُنعش داعش، وعلى ترامب ألا ينصاع لمقولات القادة العرب بأنه شبيه السيسي

إنه يغدر بالقوة الرئيسية التي حاربت داعش ويهدد بتأجيج الإرهاب، هكذا وصف مسؤولان أمريكان سابقان التحول المفاجئ في السياسية الأمريكية وأفضى إلى دعم ترامب لحفتر، بناء على نصيحة سيئة من ثلاثة من أصدقائه العرب.

ففي مقال بمجلةٍ، حذر كل من فيليب غوردون منسق البيت الأبيض السابق للشرق الأوسط في عهد الرئيس أوباما، وأندرو ميلر مدير شؤون الشرق الأوسط السابق بمجلس الأمن القومي في عهد أوباما، من النتائج المدمرة لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعم الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر في هجومه على العاصمة طرابلس.

ترامب غيَّر السياسة الأمريكية في مكالمة واحدة

ففي حين كان تركيز معظم واشنطن مُنصبّاً، الأسبوع الماضي، على تقرير المحقق الخاص روبرت مولر الذي طال انتظاره، قام الرئيس الأمريكي بخطوة سياسية خارجية لم تسترعِ انتباهاً يُذكَر، لكن من الممكن أن تترتب عليها تبعات: أجرى مكالمة هاتفية مع اللواء الليبي المتقاعد -الذي أعلن نفسه مشيراً- خليفة حفتر.  

دعم ترامب لحفتر
حفتر إلى جانب الشيخ محمد بن زايد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي/ رويترز

ووفقاً للبيت الأبيض، كان غرض المكالمة هو الإقرار بـ «دور حفتر المهم في محاربة الإرهاب وتأمين موارد النفط الليبية»، وبحث الزعيمان «رؤيةً مشتركة لانتقال ليبيا إلى نظامٍ سياسي مستقر وديمقراطي».

وطبقاً لما صرَّح به مسؤولون أمريكيون لوكالة Bloomberg الأمريكية، دعم ترامب في أثناء المكالمة، هجوم حفتر العسكري على العاصمة الليبية طرابلس. تصاعدت الحملة في الأيام الأخيرة، وذلك بعد شن غارات جوية وهجمات برية متعددة، أودت حتى الآن بحياة 250 شخصاً وإصابة أكثر من ألف شخص، بينهم كثير من المدنيين والأطفال.

فلقد تبيَّن أن هؤلاء القادة العرب يستطيعون إقناع ترامب أكثر من مساعديه

دعم ترامب لحفتر يعني أن الرئيس نقض مجدداً سياسات كبار مستشاريه للأمن القومي وباغتهم، وهُم الذين عارضوا بقوةٍ حتى ذلك الوقت، أحدث هجومٍ عسكري للواء المتقاعد. فقبل أسبوعين فقط، قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إنَّ الولايات المتحدة قد حثَّت على «وقفٍ فوري» لعمليات حفتر العسكرية، التي قال مُحِقَّاً إنَّها «تُعرِّض المدنيين للخطر وتُقوِّض آفاق مستقبلٍ أفضل لكل الليبيين». ولاحقاً، اتفق مع ذلك القائمُ بأعمال وزير الدفاع الأمريكي، باتريك شاناهان. فقال: «الحل العسكري ليس هو ما يحتاجه الليبيون».

كان إعلان البيت الأبيض تراجعاً حاداً عن السياسة الأمريكية في المنطقة، لكن هناك سوابق لمثل تلك التراجعات.

ففي يونيو/حزيران 2017 على سبيل المثال، غرَّد ترامب فجأةً معلناً دعمه حملة مقاطعةٍ تقودها السعودية على قطر، في حين كان وزيرا خارجيته ودفاعه لا يزالان يُعبِّران عن دعمهما العلاقات الاستراتيجية المتينة بين الولايات المتحدة وقطر.

الملك سلمان دونالد ترامب ميلانيا ترامب
الملك سلمان خلال استقباله ترامب في السعودية/ رويترز

في الواقع، كان الرئيس ترامب نفسه قد التقى آنذاك للتو أمير قطر، ووصفه بأنَّه صديق الولايات المتحدة، وأعلن رغبته في بيع كثير من «المعدات العسكرية الرائعة» إلى قطر.

وعلى نحوٍ مماثل، في أواخر العام الماضي (2018)، أعلن ترامب انسحاباً كلياً وفورياً للقوات الأمريكية من سوريا، وبعد أيام فقط أصرَّ كبار مسؤوليه في السياسة الخارجية على أنَّ تلك القوات ستبقى إلى أجلٍ غير مُسمَّى.

فهو يتخذ قرارات مصيرية بناء على محادثات ارتجالية مع أصدقائه العرب أو تأثُّراً بالاستقبالات الفخمة

وجانبٌ آخر من هذا النمط المعهود من ترامب هو اتخاذ قرارٍ رئيسي بسياسة ترامب في غياب التنسيق مع مجموعة مجلس الأمن القومي، والخضوع في المقابل لتأثير محادثات الرئيس الارتجالية مع القادة الإقليميين.

فلم يكن من قبيل الصدفة أن عبَّر ترامب عن دعمه لحفتر، بعد أقل من أسبوعين من تحدُّثه مع رجل مصر القوي الرئيس عبدالفتاح السيسي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وكلهم داعمون كبار عسكرياً ومالياً لحملة حفتر.

وبعد كل شيء، جاء انقلاب ترامب على قطر في غضون أسبوعين من استقباله الفخم بالرياض من جانب الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، وجاء تراجعه المُتعلِّق بالسياسة الأمريكية في سوريا، بعد يومٍ واحد فقط من مكالمةٍ هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

لكنَّ الرؤية المتعلقة بفرض حفتر ديمقراطيةً مستقرةً في ليبيا واهمة

ويمكن تفهُّم رؤية ترامب بشأن ليبيا، التي يسحق فيها حفتر الإرهاب، ويعمل من كثب مع الولايات المتحدة وشركائها، ويقود ليبيا إلى «نظامٍ سياسي مستقر وديمقراطي»، وذلك بالنظر إلى عدم الاستقرار الذي ضرب البلاد منذ التدخُّل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) هناك عام 2011. أطاح هذا التدخُّل بالدكتاتور الذي حكم طويلاً، معمر القذافي . وأعقب ذلك فراغٌ أمني واقتتالٌ مستمر بين الميليشيات والقبائل المتنافسة.

على الأرجح، سيؤدي تصعيد حفتر، البعيد كل البعد عن إرساء الاستقرار في البلاد، إلى تأجيج القتال المتجدد، وإيجاد مزيد من الإرهابيين واللاجئين، ورفع أسعار النفط، ومفاقمة التوتُّرات الجيوسياسية الدائرة فعلاً في المنطقة.

وخلافاً لبيان ترامب، يمكن القول باطمئنانٍ إنَّ تأسيس ديمقراطية ليبية ليس في ذهن حفتر، بل العكس، هو مؤيد علني للديكتاتورية العسكرية.

فقد هاجم طرابلس قبل مؤتمر لتقاسُم السلطة، وسجلُّه في المعارك غير مطمئن

ويجادل بأنَّ ليبيا ليست مستعدة للديمقراطية. في الواقع، كان توقيت حملته، التي شنَّها قبيل أيامٍ فقط من مؤتمرٍ يرمي إلى التفاوض على اتفاقٍ لتقاسُم السلطة وتنظيم الانتخابات، يهدف إلى تجنُّب التوصل إلى مثل هذه النتيجة.

كما لا يملك حفتر القوات العسكرية القادرة على فرض الاستقرار. وسجلُّه في ساحات المعارك يُعَد في أفضل التقديرات سجلاً مختلطاً، وكانت هجماته السابقة معتمدة بشدة على المساعدة العسكرية الخارجية، وضمن ذلك المساعدة في صورة غارات جوية من الإمارات.

وجيشه مكوَّن من ميليشيات متنافسة

وجاءت هجوم حفتر المفاجئ على طرابلس بعد أسبوع من زيارته إلى قصر اليمامة بالرياض، ولقائه بالملك سلمان ووزير الداخلية وشخصيات أخرى، ما أعطى الانطباع بأنه كان يحصل على مباركة السعودية لخطوته التالية، وهناك تحصَّل على وعودٍ بالحصول على ملايين الدولارات من المساعدات ليُموِّل عمليته، وذلك بحسب تقريرٍ نشرته صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية.

و «الجيش الوطني الليبي» الذي يقوده هو مجرد تجميع لمجموعات ميليشياوية متنافسة تعمل معاً فقط بدافع نفعي، ولم تشهد طرابلس إشارات تُذكَر على حدوث انشقاقاتٍ مماثلة لتلك التي سهَّلت دخول حفتر إلى مناطق أخرى في البلاد.

وعلاوة على ذلك، بإمكان خصوم جيشه، وضمن ذلك ميليشيات مصراتة ذات القدرات العالية، الاعتماد على الحصول على مزيدٍ من التمويل والأسلحة من تركيا وقطر، رداً على تدخُّل مصر والخليج.

ينتظره تمرُّد طويل في الغرب سيؤدي إلى موجة لجوء جديدة

وفيما قد يكون مقدمة لما ينتظر حملة طرابلس، استغرق الأمر من حفتر ثلاث سنوات، من أجل السيطرة الكاملة على بنغازي، وهي حاضرة أخرى مكتظة بالسكان.

وحتى لو قُدِّر لما يعرف بالجيش الوطني الليبي بطريقةٍ ما، الاستيلاء على طرابلس، بعد ما ستكون بالتأكيد معركة دموية، فإنَّ النتيجة المُرجَّحة للغاية ستتمثَّل في تمرُّدٍ مُطوَّل من شأنه التسبُّب في زيادة أعداد اللاجئين النازحين من بيوتهم إلى البلدان المجاورة وأوروبا، وهو ما سيؤجج نيران الشعبوية الأوروبية أكثر.

و «داعش» مستفيد من هجوم حفتر

تُعَدُّ حملة حفتر كذلك عائقاً أمام مصالح مكافحة الإرهاب الأمريكية، إذ أجبر القتال في طرابلس بالفعل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) على سحب الجنود الأمريكيين الذين كانوا يعملون مع الميليشيات الليبية المحلية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

وبالنظر إلى موقف حفتر الذي لا يتزعزع تجاه الإسلاميين من مختلف المشارب –قال حفتر إنَّ المكان الوحيد لهم هو «السجن، أو تحت الأرض، أو خارج البلاد»- فإنَّ هجومه سيقود أنصار الإسلام السياسي في ليبيا إلى التعاون التكتيكي مع الإرهابيين الفعليين، كما فعل الدكتاتور السوري بشار الأسد مع قوى المعارضة في بلاده.

وهو يستعدي المصراتيين الذين قضوا على داعش في 2016

إنَّ ترامب، بتبنِّيه حفتر، يضاعف الضرر من خلال استعداء المصراتيين، الذين كان لهم دورٌ فعَّال في الحملة الأمريكية عام 2016 ضد داعش بليبيا، وما يزالون ضروريين من أجل جهود مكافحة الإرهاب الجارية.

ومن المُرجَّح أن يؤدي هجوم حفتر على طرابلس، البعيد كل البعد عن تحقيق الاستقرار في مبيعات النفط الليبية، إلى تجدُّد القتال حول منشآت الإنتاج؛ وهو ما يؤدي إلى وقف الصادرات، وتقليص العائدات التي تحتاجها ليبيا بشدة، ودفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع، في وقتٍ تدفع فيه سياسات ترامب تجاه إيران وفنزويلا بالفعل في الاتجاه نفسه.

وأسعار النفط سترتفع بسبب هذه المغامرة

ومع تعثُّر “الجيش الوطني الليبي” في طرابلس وما حولها، سيعاني حفتر من أجل حماية المنشآت النفطية التي يسيطر عليها الآن، وستزيد الحوافز لدى الفصائل المعارضة له لانتزاع هذه الأصول الاستراتيجية من قبضته.

وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي، كان استمرار مبيعات النفط نقطة مضيئةنسبياً لليبيا حتى الآن، ووصلت إلى أعلى مستوى في 5 سنوات، حيث بلغ 1.28 مليون برميل يومياً العام الماضي (2018)، قبل أن يتراجع إلى مستوى لا يزال مقبولاً يبلغ 900 ألف برميل يومياً، في وقتٍ سابق من هذا الشهر (أبريل/نيسان 2019). وسيكون من المستحيل الحفاظ على مستوى الصادرات هذا، والعوائد التي توجد حاجةٌ ماسّةٌ للحصول عليها، إن استمر التصعيد العسكري.

دعم ترامب لحفتر لن يجعله سيسي جديداً

وسيظل دعم حفتر مغرياً طالما صدَّق ترامب ما يقوله له شركاؤه العرب عن إمكانية محاربة الرجل القوي القادم من عصر القذافي الإرهابيين في ليبيا.

وأدت السعودية والإمارات  دوراً أساسياً في تقديم الدعم للسيسي بمصر قبل وبعد انقلابه على الإسلاميين في 2013، وهما على الأرجح تخبران ترامب بأنَّه يمكن استنساخ تلك التجربة في ليبيا.

المصريون في الخارج يبدأون التصويت على تعديلات دستورية تمدد حكم السيسي
أنصار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إبان انتخابات 2018/رويترز

لكن يُستحسَن أن يستمع ترامب إلى قادته العسكريين، الذين يدركون أنَّ حفتر لا يمكنه السيطرة على كل ليبيا عسكرياً بسهولة، وأنَّ هذا البلد لن ينعم بالاستقرار دون توافقٍ وطني.

إنَّ أوجُه القصور في حكومة الوفاق الوطني، المُعترَف بها دولياً والتي يقودها رئيس الوزراء فايز السراج -وضمن ذلك خَلَلُها الداخلي وافتقارها إلى قوة قتال ناجعة وموحدة- معروفة جيداً. لكنَّ هذه الحكومة وعملية السلام التي يقودها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، تظلان هما الأمل الأفضل من أجل ليبيا مستقرة وآمنة وحرة.

وليبيا مؤهلة لأن تصبح مثل تونس وليست مصر

وينبغي أن يظل الهدفُ قصيرُ الأجل لأي طرف يريد تحقيق الاستقرار في ليبيا هو التوافق على اتفاقٍ لتقاسُم السلطة، يؤسس لجدولٍ زمني لإجراء انتخاباتٍ جديدة، وضمان تمثيل مجموعة فاعلين أكثر تنوعاً في حكومةٍ انتقالية جديدة.

ومثل هذا الاتفاق يمكن حتى أن يعترف بحفتر قائداً للجيش، في حين يُخضِع سلطته لوزارة دفاع مدنية الطابع أو لجنة للدفاع الوطني. وبالتأكيد، أصبحت مثل هذه المفاوضات –على أساس مبدأ «لا رابح، لا خاسر»- أصعب بسبب تقدُّم حفتر باتجاه طرابلس وتأييد ترامب الواضح للحملة العسكرية، لكن لم يفُت الوقت بعدُ لتراجُع الولايات المتحدة عن هذا الضرر.

وفي ظل وجود عدد قليل من السكان، وإمكانية تحقيق عائدات كبيرة، والحصول على دعم مالي أوروبي، وغياب الانقسامات الطائفية الكبرى، فإنَّ لدى ليبيا فرصة حقيقية لتحقيق مستقبلٍ أفضل، كما فعلت الجارة تونس.

وينبغي للولايات المتحدة العمل مع شركائها وكل الليبيين، للمساعدة في التفاوض على السلام بدلاً من تأجيج نيران حربٍ أخرى فاشلة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق