أخبار ليبيا

طرابلس بين “زحفي” القذافي وحفتر

تحتل كلمة “الزحف” مكانة خاصة في القاموس السياسي الليبي خصوصا إبان فترة العقيد الراحل معمر القذافي والتي طالما استخدمها إبان صعوده بزحفه نحو العاصمة طرابلس من بنغازي قديما.

وظلت الكلمة أثيرة لدى القذافي حتى آخر أيامه إبان اندلاع الثورة الليبية عام 2011حين هدد الثائرين قائلا “بعد ذلك سنعلن الزحف المقدس، أنا معمر القذافي قائد أممي، أنا تدافع عني الملايين، أنا سأوجّه نداء للملايين من الصحراء إلى الصحراء، وسنزحف أنا والملايين لتطهير ليبيا شبرا شبرا.. بيتا بيتا.. دارا دارا.. زنقة زنقة.. فردا فردا.. حتى تتطهر البلد من الدنس والأرجاس”.

لم تقتصر دعوة الزحف على الداخل، بل سبق أن دعا المتوجهين إلى مكة للزحف نحو القدس. وما بين زحفي البداية والنهاية والداخل والخارج، اختار القذافي الكلمة نفسها اسما لإحدى صحف “الجماهيرية” حملت اسم “الزحف الأخضر” لتكون ناطقة باسم “اللجان الثورية الليبية”.
  
وبعد سبع سنوات على طي صفحة القذافي، جاء اللواء المنشق خليفة حفتر ليعيد إنتاج “الزحف” على طريقته بدعوة قواته -التي تسيطر على بنغازي- إلى التوجّه نحو طرابلس حيث حكومة الوفاق الوطني برئاسة رئيس الوزراء فايز السراج التي تحظى باعتراف دولي.

تأتي دعوة حفتر والتحركات العسكرية التي أعقبتها بعد أسبوع من زيارته السعودية حيث اجتمع في قصر اليمامة بالرياض بالملك سلمان ووزير الداخلية وشخصيات أخرى، مما يوحي بسعي حفتر للحصول على موافقة الرياض على تحركاته، إلى جانب مباركة مصر والإمارات وحتى فرنسا وروسيا.

الدعم والغطاء
وإذا كانت الدول الأخيرة تقدم له دعما عسكريا، فإن السعودية توفر له غطاء أيديولوجيا للمعارك الميدانية. فعلى امتداد الأعوام الماضية، حث الشيخ السعودي ربيع المدخلي أتباعه في ليبيا على القتال ضمن قوات حفتر، على اعتبار أن هذا الأخير “ولي أمر شرعي”.

وإلى جانب ذلك، يطمح حفتر لنيل الدعم المادي والعسكري والدبلوماسي السعودي، وأن تستخدم المملكة نفوذها على بعض الدول العربية لطمأنتها بشأن توابع تحركه العسكري في ليبيا.

وجاءت زيارة حفتر إلى الرياض في إطار زيارات لعواصم دولية وإقليمية أخرى قام بها لحشد الدعم لشخصه، ومراكمة مزيد من الرصيد الدبلوماسي ضمن مسعاه لتصوير نفسه شخصية مقبولة على الصعيد الدولي وجديرة بأداء دور محلي، رغم رفضه الحلول الليبية ثم الأممية، وتفضيله أن يكون مجرد قائد لمجموعة من المليشيات تخوض حربا أهلية ولا تتردد في سفك دماء الأبرياء وارتكاب جرائم حرب.

سبق أن سافر حفتر إلى روسيا بدعوة من الرئيس فلاديمير بوتين، وسافر إلى باريس بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، والتقى بوزير الدفاع الإيطالي في روما، واستقبل وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بمقره الرئيسي المحصن أعلى التلة خارج بنغازي. 

التوقيت
لا يخلو توقيت التصعيد الأخير والدعوة للتحرك نحو طرابلس من ملامح عقلية “المليشيا” التي يفكر لها حفتر، فهو لا يؤمن بالعملية السياسية، كما أنه يعلم جيدا أن هناك محاولة من الأمم المتحدة لعقد مؤتمر وطني جامع للبحث عن مخرج من الأزمة الليبية وذلك بمنتصف أبريل/نيسان الجاري.

وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة قد حث مؤخرًا الفصائل الليبية المعارضة على التجمع في مؤتمر وطني برعاية الأمم المتحدة لوضع الأساس للانتخابات وسحب ليبيا من حافة الهاوية.

وتصعيد حفتر هذه المرة لا يختلف عن تصعيد حفتر في المرات السابقة حيث يعلن عن خطوة جديدة في طريق البحث عن حل سلمي للأزمة، فالرجل لا يؤمن بالديمقراطية أو الحوار وسبق له القول “إن ليبيا ليست ناضجة للديمقراطية”. 

كما وجد حفتر في انشغال الجيش الجزائري بترتيب الأوضاع الداخلية في بلاده فرصةً مواتية أيضا للتصعيد خصوصا وأن الجزائر من أكبر معارضي الخيار العسكري لحل الأزمة الليبية خوفا من تداعياته على أمنها القومي.

الموقف الغربي
على مستوى ردود الفعل الغربية من التصعيد الأخير، أصدرت حكومات الولايات المتحدة وإيطاليا والإمارات وفرنسا وبريطانيا بيانا مشتركا دعت فيه إلى وقف التصعيد الحالي، مؤكدة على عدم رؤيتها لحل عسكري للصراع خوفا من إمكانية تسبب ذلك في “جر ليبيا نحو الفوضى”.  

وترى هذه الدول أن عواقب استهداف طرابلس عسكريا ستكون وخيمة على الدول المجاورة، فطرابلس قريبة من تونس ولدى ليبيا حدود مع الجزائر، وبالتالي ستكون التداعيات الأمنية والإنسانية على الدول المجاورة خطيرة جدا، “فالإرهاب الذي يدعي حفتر أنه يقاومه سيكون أقوى”.

ويضاف إلى ما سبق أزمة لاجئين ليبيين محتملة ستترتب على هروب المدنيين من العمليات العسكرية بحثا عن النجاة.

اهتمامات ترامب
ويرى دبلوماسيون أجانب أن إدارة ترامب كانت غير مهتمة منذ مدة طويلة بما يجري في ليبيا، لكنهم يرون بوادر اهتمام في الآونة الأخيرة بحفتر “يتماشيا مع علاقات البيت الأبيض بمساندي الجنرال حفتر في أبو ظبي والرياض، وتفضيل الرئيس ترامب للزعماء الاستبداديين”.

ويستشهد هؤلاء بالدعم العسكري الذي قدمته الإمارات ومصر لحملة الجنرال حفتر، وفقًا لما ذكره محققو الأمم المتحدة، وأنه تلقى تشجيعا أكثر بعد لقائه بالملك سلمان في الرياض أواخر الشهر الماضي.  

على الرغم من أن الولايات المتحدة دعمت رسميًا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، فإن استمرار التناقض الأميركي بشأن ليبيا يظهر جليا في موقفها من حفتر.

ليبيا تمتلك أكبر احتياطات النفط في أفريقيا، وترى إدارة ترامب أن إنتاج ليبيا من النفط مهم في إبقاء الأسعار العالمية منخفضة. وفي البال أن قوات حفتر أمّنت منشآت نفطية في المناطق الوسطى والجنوبية في ليبيا، مما عزز الإنتاج. 

نال حفتر تنويها من الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) التي ترى أن له دورا في محاربة “الإرهابيين”، وتجسد هامش الثقة في إنشاء قاعدة لـ”سي آي أي” في شرق مدينة بنغازي، التي يسيطر عليها حفتر.

على الرغم من ذلك، فإن حفتر ليس بالقوة التي تريدها أميركا، ومن المستبعد أن يوحد أو يُخضِع فصائل ومليشيات البلاد. وقد يؤدي صعوده إلى السلطة إلى إثارة مقاومة الجماعات التي تخشى الانتقام والعودة إلى الدكتاتورية.

حفتر سعى إلى تجميل نفسه في الولايات المتحدة التي أمضى فيها عقدين من عمره وحصل على جواز سفرها ويتطلع إلى جذب إدارة ترامب. ففي ديسمبر/كانون الأول 2016 دفع أموالا لإحدى شركات العلاقات العامة وواحدة من جماعات الضغط في واشنطن لتسويق صورته أميركيا بوصفه “زعيما محتملا” في بلاده، وللزحف على من يعتبرونه مجرد رجل حرب فظ.


الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق