أخبار ليبيا

حرب حفتر على طرابلس.. هكذا تطور المشهد منذ ثورة فبراير

منذ إعلان خليفة حفتر في تسجيل صوتي حربه على العاصمة الليبية طرابلس في الرابع من أبريل/نيسان الجاري وخوض قواته معارك على مشارفها، يتبادر سؤال عن كيفية وصول هذه القوات دون سابق إنذار إلى تخوم طرابلس، وهي التي تبعد مئات الكيلومترات عن أقرب نقطة لقوات حفتر.

وللإجابة عن هذا التساؤل يحتاج المشهد الليبي إلى تفكيكه والعودة إلى الوراء واستذكار سير المعارك التي شنها حفتر على المدن الليبية الواحدة تلو الأخرى، والتحالفات التي صنعها طوال السنوات الماضية مع المكونات الاجتماعية والعسكرية في مختلف المناطق.

بدأ ظهور خليفة حفتر كلاعب أساسي في المشهد الليبي في منتصف فبراير/شباط 2014 عندما خرج على قناة فضائية عربية تبث من الإمارات معلنا تجميد الإعلان الدستوري (الدستور الحاكم) وحل المؤتمر الوطني العام (السلطة التشريعية)، متخذا من شرق ليبيا -وتحديدا منطقة الرجمة (جنوب شرق بنغازي)- مقرا له. 

وبعد ثلاثة أشهر من تاريخ ذلك “الانقلاب المتلفز” -وتحديدا في 15 مايو/أيار 2014- أطلق حفتر عملية عسكرية تحت اسم “الكرامة” بهدف معلن هو مكافحة الإرهاب في بنغازي، وآخر غير معلن وهو السيطرة على ليبيا بقوة السلاح بدعم دولي وإقليمي، ضمن إطار ما تعرف بالثورات المضادة للربيع العربي الذي انطلق من تونس في 2011.

ومع مرور الوقت وتواصل المعارك في بنغازي بين قوات اللواء المتقاعد ومقاتلين من المدينة -أعلنوا فيما بعد تكتلا يجمعهم أطلقوا عليه “مجلس شورى ثوار بنغازي” (ائتلاف يضم عددا من التشكيلات المسلحة تنتمي للتيار الإسلامي وبعض الثوار المدنيين)- بدأت في غرب ليبيا عملية عسكرية مضادة تستهدف الموالين لحفتر بالمنطقة الغربية عرفت باسم “فجر ليبيا”.

فجر ليبيا تغير المعادلة
كانت أرض طرابلس ساحة للقتال بين حلفاء ثورة فبراير (الزنتان ومصراتة) -أكبر قوتين عسكريتين بالمنطقة الغربية- وذلك بعد أن أعلنت كتائب عسكرية محسوبة على الزنتان (القعقاع والصواعق) تأييدها عملية الكرامة وإمهالها “المؤتمر الوطني العام” ساعات لتسليم السلطة وإلا فإنها ستقبض على كل أعضائه باعتبارهم “خارجين عن الشرعية”. 

دخلت على خط المواجهات في حرب فجر ليبيا جهات عدة واصطفت إلى جانب طرفي النزاع الرئيسيين (الزنتان ومصراتة)، فإلى جانب مقاتلي مصراتة وقف ثوار كل من زليتن والزاوية وغريان وصبراتة وبعض مدن الأمازيغ (زوارة وككلة) وكتائب من طرابلس (سوق الجمعة وتاجوراء)، في المقابل انضمت كتائب من الرجبان وورشفانة إلى الزنتان، وانتهت المعركة بخروج كافة التشكيلات المسلحة الموالية لحفتر من طرابلس. 

وبعد انتهاء الحرب تشكل مشهد عسكري وسياسي جديد في ليبيا، ولا سيما بعد رفض مجلس النواب -الذي انتخب في يونيو/حزيران 2014- الذهاب إلى طرابلس لتسلم السلطة من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، واختياره طبرق مقرا له بدلا من العاصمة ليتكرس بذلك مشهد الانقسام الذي رافق الحياة السياسية في ليبيا حتى الآن. 

حسم عسكري في الشرق والجنوب
ثلاث سنوات من المعارك في بنغازي انتهت في 2017 لصالح حفتر الذي أغدقت عليه مصر والإمارات كل أنواع الدعم، خصوصا العسكري منه، وشاركت طائرات من البلدين في القصف إلى جانبه.

استمر حفتر في توسعه جغرافيا، وصنع تفاهمات مع مكونات قبلية رئيسية بالمنطقة الشرقية، تمثل بعضها في مصالح شخصية لبعض شيوخ القبائل، والبعض الآخر ظهر في صورة الخوف من البطش والقمع الذي مارسه ضد معارضيه، وارتكبت قواته انتهاكات بحق المقاتلين وصلت إلى نبش قبورهم والانتقام من عائلاتهم وحرق بيوتهم، مما تسبب في نزوح الآلاف إلى مدن المنطقة الغربية. 

وفي مايو/أيار 2018 أطلق حفتر حملته العسكرية على درنة آخر معاقل معارضيه في المنطقة الشرقية، وأعلن السيطرة عليها بعد أشهر معدودة، ثم أعلن مع مطلع هذا العام -وتحديدا في 15 يناير/كانون الثاني 2019- عملية عسكرية في الجنوب تحت عنوان “مكافحة الجريمة والعصابات الأجنبية” تقدمت خلالها قواته باتجاه الجفرة (وسط ليبيا) ومنها إلى مدن سبها ومرزق وأوباري وبراك الشاطئ ليفتح من الجنوب خطا مباشرا باتجاه العاصمة يبعد نحو 800 كيلومتر عنها، وليتجنب المواجهة مع مصراتة التي تقع على الخط الساحلي شرقي طرابلس.

حفتر وسبتمبر.. تحالف إستراتيجي أم مصلحي؟! وأثناء هذا كله وقبله لعب حفتر على المتناقضات بين المكونات الاجتماعية في المنطقة الغربية، وأيضا استغل الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها ليبيا جراء الانقسام المؤسساتي بين شرق وغرب، وصنع تفاهمات مع المدن والمناطق التي خسرت في 2011 بعد وقوفها مع نظام العقيد الراحل معمر القذافي، ونسج تحالفات مع رجالات القذافي -سواء داخل ليبيا أو خارجها- الذين أقصوا من المشهد بعد الثورة. 

تفاجأ الجميع في الثالث من أبريل/نيسان الجاري بتحرك عسكري جنوب العاصمة وتحشيد لتشكيلات مسلحة على حدود مدينة غريان (75 كيلومترا جنوب طرابلس)، ما دفع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق (الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس) إلى إعلان حالة النفير العام في صفوف قواته الأمنية والعسكرية لصد هذا الهجوم. 
التحالف القديم الموالي لثورة سبتمبر (ثورة القذافي) في مناطق طوق طرابلس كان هو الخزان البشري الأول لقوات حفتر عند هجومه على العاصمة، فعند انطلاق ساعة الصفر تحركت مجموعات مسلحة من مناطق ورشفانة وأخرى من مدينتي صبراتة وصرمان باتجاه جسر الـ27 الواقع على الطريق الساحلي غرب طرابلس محاولة فصلها عن مدن الزاوية وزوارة، ومجموعات أخرى من ترهونة (اللواء التاسع) تحركت من الجنوب الشرقي لطرابلس وحاولت فتح ثغرة باتجاه وسط طرابلس عن طريق محاور سوق الخميس وقصر بن غشير ووادي الربيع. 
معركة طرابلس وعودة حلفاء الثورة 

خط الإمداد الوحيد لقوات حفتر هو مدخل طرابلس الجنوبي (غريان) التي نجح في السيطرة عليها واتخاذها مقرا رئيسيا لإدارة عمليته العسكرية على العاصمة، ومنها تصل قواته من المنطقة الشرقية قادمة من الجنوب (طريق غريان- براك الشاطئ) قاطعة مسافة لا تقل عن 800 كيلومتر.

هذه الأحداث دفعت أعداء الأمس القريب وحلفاء ثورة 17 فبراير (مصراتة والزنتان) إلى الاتحاد مجددا، وانضمت إليهم تشكيلات وكتائب من زليتن والزاوية وزوارة ومدن الأمازيغ بجبل نفوسة، ولكن هذه المرة ضد حفتر الذي يمثل المشروع العسكري في ليبيا المدعوم إقليميا ودوليا. 

تطورات عسكرية جاءت وسط مشهد كانت تغلب عليه صبغة التوافق والذهاب إلى حل سياسي حاول من خلاله مبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة رسم مسار لحل الأزمة عبر خطة البعثة الأممية في عقد الملتقى الجامع الذي كان مقررا انطلاقه بين يومي 14 و16 أبريل/نيسان الحالي في مدينة غدامس الليبية القريبة من الحدود الجزائرية. 


المصدر : الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق